حُلة كارمن الغجرية في ورشة الزيتون

عقدت الخميس الماضي بورشة الزيتون ندوة لمناقشة ديوان 'حُلة حمراء وعنكبوت' للشاعرة هبة عصام، والصادر مؤخرا عن دار شرقيات، بدأها الشاعر شعبان يوسف بالحديث عن المعارك المفتعلة بين كتاب النثر والتفعيلة، وحالات الإقصاء الديكتاتوري من الاتجاهين، رغم أن الساحة الشعرية مفتوحة لكافة الأشكال، واستشهد بمقولة سعدي يوسف: 'بستان الشعر صغير لماذا كل هذه الحروب؟'، ثم رحب بالشاعرة الجادة وأشاد بغلاف الفنان وليد فكري وباللغة الشعرية الصافية داخل الديوان والثنائيات التي روضتها الشاعرة ابتداءا من عنوان المجموعة ومرورا باستدعاء مفردات الحياة العصرية وحالة الضجة الشعرية في إطار شعري رصين.
وأشار الناقد الدكتور صلاح السروي أن هبة شاعرة مفاجئة، في كتاباتها قدر هائل من الجمال التشكيلي والبنائي، وأشار أن الديوان يرتكز على ثنائية الحب والموت والاحتفاء بالخوف وتقدم الزمن حيث يكمن الحس الرؤيوي، فالقصيدة تلمس المعاني الكامنة خلف ظواهر هذا العالم مما يمكن أن نسميه بالتجربة الوجودية، وعن قصيدة 'حلة حمراء وعنكبوت' يقول: تطرح كارمن فكرة مغايرة باعتبارها الوجود البري في حالته الأولى غير المهيمن عليها، وهذا الكبرياء الأنثوي البهي نموذج متجاوز لماهو حياتي إلى ما هو كوني، فالوجودية بالمعنى الفلسفي للكلمة هي حالة مستبدة على مدار الديوان، كذلك فكرة الزمن وتفلته وانسرابه، والصور العصرية التي تعمل بذاتها بمقتضى قانونها الخاص.
وتلي ذلك كلمة الناقد الدكتور حسام عقل الذي أوضح في بداية حديثه أن مأساة الذات الشاعرة كما جسدتها هبة عصام في ديوان «حلة حمراء وعنكبوت» تتمثل في وجود نوع من المفارقة بين ذات متمردة جدا ثائرة إلى أبعد حدود الثورة والتمرد والانتفاض، لكنها محوطة بالقيود الجاثمة ولذلك قررت أن تنتفض على هذه القيود باستدعاء الصورة المعروفة لكارمن، وأضاف أن النص الافتتاحي 'ما هوَ لي' يجسد تجربة الذات الثائرة المتمردة التي أحيانا ما تثق بنفسها وتعتد بقدرتها إلى حد التطاوس، وأحيانا تبدو متشككة ومتطيرة من النتائج فتعطينا بعضا من الطعم المراوغ حتى تحتفظ بالمفارقة في نهاية القصيدة، وأشار أن لعبة انشطار الذات على نفسها لعبة تستهوي هبة عصام كثيرا على مدار الديوان، تشعر أن الذات تنشطر ثم تدير الذوات المنشطرة حوارا يبدو في الظاهر ديالوج بينما هو في حقيقته مونولوج، وتكرس هذا في قصيدة 'غيبوبة'، وأشار أن الملاحظ أن في دراسة المعجم الشعري لهبة عصام مفردتين ستحظيان بمعدل تكراري لافت، مفردة 'الظل' ومفردة 'الجن'، وكلاهما يرتكز على فكرة التأبي والاستعصاء على الأقيسة المعقلنة، و أشار إلى نضارة المعجم الشعري في قصيدة «اسكتش» ، فهي تنحت مفردة خاصة، عكس معظم التجارب الشعرية الأخيرة التي تعمد إلى الكلاشيهات، أما قصيدة «وقفة» فتثرى برؤية فلسفية وبنوعين من الأنا، أنا عاقلة تشد الذات إلى إيثار السلامة، والتعامل مع الواقع حتى بقبحه وعطنه ودمامته، وأنا أخرى ثائرة 'أنا كارمن'، وعن قصيدة «عابرة ليلية» قال أنها تعد تكثيفا مقطرا منقحا لكل رسالة الديوان، قبح الواقع وهو يؤطر حركة الروح، وأكد في النهاية أنه على ما أصابت هبة من منجزات واضاءات شعرية ستحتفظ لنفسها بموقع جيد في الخارطة الشعرية التي تتشكل الآن.
أما الدكتور مدحت الجيار فأوضح أن هناك صور مفاتيح، ومعجم مفاتيح، وهناك تلقائية واعية لا يدري كيف استطاعت ان تحققها، وأشار أنها لعبت على الخيال الجامح والوقت وعلى مصطلحات الموت والعدم، والجنون كحل مقترح، كما أشار أنه لا ينفي اندهاشه بهذه الشفافية التي كتبت بها حلة حمراء وعنكبوت، ورغم ما فيها من يأس إلا انها من الناحية الفنية تظهر قدرة خاصة على تشكيل الجملة الشعرية وعمل ما يسمى بالسرد الصوري إلى أن تصل القصيدة الى الختام فلا تدع فيها مجالا لكلمة زائدة.
.jpg)




